ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

628

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

واكتنفه بالعصمة . قال يحيى بن كثير : فنظرنا في ذلك فما تلذّذ المتلذّذون بمثل حبّ اللّه وطلب مرضاته . وقال في الإحياء : لا وصول إلى اللّه إلّا بمحبّته والانس به في هذه الدنيا والتجافي عن غرور الدنيا ، ولا أنس إلّا بدوام الذكر ، ولا محبّة إلّا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ، ومنه اعلم أنّه إن كان همّتك ما يدخل بطنك فقيمتك ما يخرج منها وإذا لم يكن قصدك من الطعام إلّا التقوّي على عبادة اللّه ، فعلامة ذلك تظهر في ثلاثة أمور من مأكولك في وقته وقدره وجنسه ، أمّا الوقت فأقلّه أن يكتفى في اليوم والليلة بمرّة واحدة ، فيواظب على الصوم . وأمّا قدره فبأن لا تزيد بما يتّفق . وأمّا ملبسك فليكن غرضه منه دفع الحرّ والبرد وستر العورة ، وغيره فضول طلبه يضيع زمانك ، وكذلك المسكن إذا اكتفيت بمقصوده كفاك السماء سقفا والأرض مستقرا ، وإن غلبك حرّا وبردا فعليك بالمساجد ، فإن طلبت مسجدا خاصّا طال عليك وانصرف أكثر عمرك إليه وعمرك هو قد مضى عنك ، ثمّ إن تيسّر لك فقصدت من الحائط سوى كونه حائطا حائلا بينك وبين الإبصار ، ومن السقف سوى كونه دافعا للأمطار ، فأخذت برفع الحيطان وتزين السقوف ، فقد تورّطت في مهواة يبعد ترقيك منها ، وهكذا جميع ضرورات أمرك إن اقتصرت عليها تفرّغت للّه وقدرت على التزوّد لآخرتك ، وإن تجاوزت حدّ الضرورة إلى أودية الأماني تشعّبت همومك ولم يبال اللّه في أيّ واد أهلك . واعلم : أن متّسع التدبير والاحتياط هذا العمر القصير فإذا دفعته يوما بيوم في تسويفك أو غفلتك اختطفت فجأة في غير وقت إرادتك ولم تفارقك حسرتك وندامتك ، فإن كنت لا تقدر على ملازمة ما أرشدت إليه لضعف خوفك فإنّا سنورد عليك من أحوال الخائفين ما نرجو أن يزيل بعض القساوة عن قلبك ، فإنّك تحقّق أنّ عقل الأنبياء والأولياء والعلماء وعلمهم ومكانهم عند اللّه ليس دون عقلك وعلمك ومكانك ، فتأمّل - مع كلال بصيرتك وعمش عين قلبك - في أحوالهم لم اشتد عليهم الخوف وطال بهم الحزن والبكاء حتّى كان بعضهم يصعق وبعضهم يدهش وبعضهم يسقط مغشيّا عليه وبعضهم يخر ميتا إلى الأرض ، ولا غرو أن كان ذلك لا يؤثر في قلبك ، فإنّ قلوب الغافلين مثل الحجارة . روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قرأ آية في سورة الحاقّة فصعق ، وروي أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان إذا